Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



::: عن "حسيبة "قارئة العزاء... خنساء النبطية : حين تصرخ " حسين ..عباس " يخيل للسامع ان الارض تهتز صوتها بلسم مداواة جراح الحزن والالم :::

أضيف بتاريخ: 12-09-2018

بقلم الكاتبة والاديبة حياة جابر علي احمد:
*********************************
____ قارئة العزاء " حَسيبة " ______.

...افرح عندما استعرض ما لبلدتي , النبطية , من تراث وثروات : غنية هي بموقعها , وبيوتها , وبأهلها , كالمخترع حسن كامل الصباح الذي ليس له مثيل , ونساء لهن بصمات في ايامهن
على سبيل المثال قريبتي القابلة القانونية جوليا الطيار جابر , وشاعرات , وأديبات ذات شأن وصولاً الى قارئة العزاء , خنساء النبطية " حسيبة هاشم بدير"..
_" هيا بسرعة , قالت لي أمي , ستبدأ بعد قليل حسيبة بمجلس العزاء , الكل حضر الا نحنا , وبسببك " . كنت في حَيرة من أمري , من هي حسيبة تلك ؟ ولمَ كل هذا الاهتمام بأمرأة ستقرأ مجلس عزاء.. وصلنا بيت جدتي , فنادت عليّ من بعيد مُشيرة إلى كُرسِّي بِجابها حرصَت عليه لأجلي ...القاعة تعج بالنساء , أصوات مرتفعة وأحاديث وتبادل التحيات , فجأة ساد السكون , وكلمة موحدة علت "اهلا اهلا ".. دخلت " حسيبة " وهي ترد السلام بأيديها الاثنتين . واتجهت الى كنبة خصصت لها ,, تحضرت النساء واضعةً يدا على الخد , ماسكة باليد الثانية محرمة استعدادا للبكاء.. كالزعيم , وقفت واستفتحت الجلسة بموعظة التقرب الى الله والصلاة للراحة والاطمئنان , وتخفيف المعاناة والعذاب , تلتها تلاوة القرآن , وإذا بجدتي تبكي . نظرتُ إليها وبصوت خافت قلت " ما بالك يا جدتي ؟. هي لم تبدأ بالرثاء حتى الآن , لمَ البكاء ؟؟ . " ,, أجابتني : " أنا أتحضر, ستأتي على مجزرة الحسين وأهل بيته , وستقول لنا كيف رثت السيدة الزهراء ولديها من قبل , وخطبة السيدة زينب " .. ثم أضافت "اسكتي يا تيتا واسمعي , عَيب عليك تحكي بالمجلس , احترمي الموقع , هص , " _ وكأني أكلم نفسي " اي موقع يا تيتا ؟.." ,, سكتُ وأخذت محرمة كالبقية .. وإذا بِالصوت الحسيبِّي يعلو , وكالسهم اخترق أذنَّي , فخفق قلبي واقشعريت : يا لروعة هذا الصوت العاطفي بطبقات مع عنة حزينة .. أخذت النسوة بالبكاء وكالمايسترو يعلو ويخفض النحيب كلما علا وخفض صوتها ,, نظرتُ إلىها : ملامحها صلبة , في أعيُنها تتزاحم الصُوَر , تقف بصرامة وعزة نفس تشدو , وتُرَنِّم بثقة , تلوح بيدها كأنها تخاطب من على مِنبَرٍ , وتثير الأحاسيس والعواطف , فتنفعل النفوس تأثرا ,, تنظر إلى السيدات فتطمئن على اللواتي يبكين , وتقف عند التي لا زالت صامدة فترفع صوتها بحنو أكثر , وبثوانٍ تلجأ الى مخزون ذاكرتها وتسترجع سِجل العائلات, مَن كانت مِنهن ثكلى او أرملة , مُطلقة او مريضة , فتحول الترانيم الى حالة تبكيها , ثم تنتقل الى أُخرى وهكذا... لم يذكر التاريخ إلا قليلا عن الرثاء , حيث أبدعت فيه الخنساء بعد استشهاد أخيها (صخر) قولاً وانشاداً . فاقترن اسمها بالرثاء , إنتزعت حسيبة لنفسها من تُراث الخنساء , مقدرة الإنشاد .
وثرى البُكاء , فأخذتُ أبكي , وتذكرتُ القصاص الذي فَرَضَتحه عليّ وعلى الصديقات المعلمة : وهو كتابة جملة , مِئة مرة , وضربات بالعصا على اليدين , للمُشاغبة في الصف ,, شعرت بالألم في أصابعي فبكيت اكثر مع العلم ان الحادثة فات عليها زمن ..انتهت "حسيبة" من قراءة المجلس , وعادت النِسوة إلى الضوضاء وتبادل الأحاديث وأنا لا زلتُ أبكي ,, نَظَرَت إليَّ جدتي باستِغراب إذ كُنتُ من دقائق أكِّب عليها بأسئِلتي . استغلت وضعي حين أتت جارَتها لِتهدِئتي , وقالت " هي حنونة , حليبها طاهر أُمها سِيّادية من آل صفي الدين , سِيّاد من صُور " وربتت على كَتِفي , والظاهِر انها تُهَدِّىء مِن رَوعي , أما هيَ ضَربَة قوية , رِسالة كي أسكُت ,,
تلك هي خنساء النبطية "حسيبة" القارِئََة الوحيدة في المنطقة ارتبط اسمها بعاشوراء وحين تصرخ " حسين ..عباس " يخيل للسامع ان الارض تهتز صوتها بلسم مداواة جراح الحزن والالم . يحترمها النساء والرجال على السواء . أيضا نساء من حارة المسيحية كن يحببنها فيشاركن مجالس العزاء . وأما أم شوقي رحال , صديقة أُمي , لازَمَت على ارتداء الأسود فالمشاركة في عزاء الحسين لمدة عشرة ايام من كل سنة حتى رحلت عن الدنيا,,
ذاعَ صيت حسيبة , فقَصَدَتها الإذاعة اللبنانية والسينما للتعاقد معها , ولكنها رفضت . في ال 70 من عمرها إشترت سيارة للتنقل على بيوت اهل البلدة وكنت من بينهم , إذ وبطلب من أمي حين تزوجت , خصصت لي يوماً في الاسبوع , تقرأ القرأن بتجويد رفيع المستوى لتحل البركة على منزلي , فكانت حين تدخل البيت تنشد " الزلف " وأغانِ طربية , وهو وجهها الاخر.
نحن قوم إن مات أحدنا قلنا : نشهد أن الموت حق .
وإن فُقِدَ أحدنا في حادث ما قلنا : قضاء وقدر.
ونحن قوم لا نرضى أن يموت وطننا , نموت لأجله نعم , لأننا قوم تعلمنا في مدرسة الحق والجِهاد فأصبح الموت لنا عادة ..
_____حياة_____
 




New Page 1