Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



::: صناعة النفط والغاز في لبنان على الصفيح الساخن للتكنولوجيا والأزمات وآفاق المرحلة المقبلة :::

أضيف بتاريخ: 04-05-2020

بقلم الدكتور زاهي خليل
أستاذ مادة البترول في كلية العلوم الجامعة اللبنانية

عمً شعور من الخيبة بعد الإعلان عن عدم وجود مكامن غازية بكميات تجارية في البلوك رقم 4 الذي يقع قبالة الساحل الشمالي والذي من المفترض أن تصدر شركة توتال التي أشرفت على أعمال الحفر فيه بعد حوالي الشهرين تقريرها النهائي عن وجود إحتياط تجاري من عدمه. وكانت قد بدأت أعمال الحفر فيه في شباط الماضي على عمق 1500 متراً تحت سطح البحر ولعمق 4500 م تحت قاعه, تنفيذاً لعقد الإستكشاف والإنتاج المُوقع عام 2018 بين الحكومة اللبنانية وإئتلاف الشركات (توتال الفرنسية,إني الايطالية ونوفاتيك الروسية). يتضمن العقد أيضاً أعمال التنقيب في البلوك رقم 9 الذي تبلغ مساحته 1742 كلم2 ويقع مقابل الساحل الجنوبي على تماس مع المنطقة المُتنازع عليها مع الدولة العبرية,على أن تبدأ أعمال الحفر فيه أواخر هذا العام.

بدأت رحلة البحث والتنقيب عن النفط والغاز في لبنان منذ ما قبل عام 2000 وإستمرت لأكثر من عشر سنوات. لكن العمل إنطلق بشكل فعلي بعد إقرار البرلمان اللبناني قانون الموارد البترولية عام 2010 وتلاها منظومة القوانين اللازمة وإصدار الحكومة المراسيم التطبيقية الضرورية. ونتيجة لدورة التراخيص الأولى تم منح كونسورتيوم (توتال-إني- نوفاتيك) حق الإستكشاف في الرقعات رقم 4 و9 وتوقيع الإتفاقية بين الجانبين بتاريخ 9 شباط 2018. كذلك تم تحضير دورة التراخيص الثانية للرقع (1-2-5-8-10) العام الماضي ولكن تم تأجيل إصدارها أكثر من مرة لتستقر في شهر حزيران المقبل. كذلك قام لبنان بترسيم حدوده البحرية مع قبرص عام 2007, تلاها ترسيم قبرص وإسرائيل لحددودهما البحرية نتج عنه محاولة إسرائيل إقتطاع مساحة كبيرة من جنوب المنطقة الإقتصادية الخالصة في لبنان (860 كلم) ونشوء نزاع معها حول حق السيادة عليه. وتُعَرف المنطقة الاقتصادية الخالصة، وفقًا لقانون البحارفي الأمم المتحدة ، بالمنطقة البحرية التي تستطيع الدولة الساحلية أن تمارس حقوقها السيادية في إستكشاف الموارد داخلها وإستغلالها. وتمتد من خط الأساس لساحل هذه الدولة حتى 200 ميل بحري (حوالي 370 كم) يليها المياه الدولية. أما المناطق الواقعة بين الدول الساحلية المتقابلة فتقسم حقوق الاستكشاف مناصفة بين البلدين كما هي الحال بين لبنان و قبرص 125 ميل.
تتكون صناعة النفط والغاز من مجموعة من المراحل والعمليات المتتابعة والمترابطة وتتطلب وقتاً طويلاً وخبرة واسعة وإستثمارات ضخمة.وقد شهدت تكنولوجيات هذه الصناعة تطورأ كبيرأ في العقود الأخيرة. أولى هذه المراحل التنقيب والإستكشاف بواسطة المسوحات الجيوفيزيائية واهمها الزلزالية الثلاثية الأبعاد التي سمحت بتطور نسبة نجاح التقديرات الناتجة عنها الى حوالي 30% بعد أن كانت 15% في التسعينات و3% في سبعينيات القرن الماضي وإعطاء معلومات أولية دقيقة حول طبيعة الطبقات الجيولوجية حتى عمق 7-8 الآف متر تحت سطح الأرض.
نتيجة للتقديرات الإيجابية المُفترضة, تبدأ عمليات الحفر الإستكشافي التي تطورت أيضاً بشكل كبير لتصبح مُوجهة, ومُمكنة منذ عام 1999 في المياه العميقة لغاية 2500 م تحت سطح البحر. من مهام الحفر الإستكشافي تأكيد تلك التقديرات وإعطاء معلومات نهائية حول وجود إحتياط واعد من عدمه, ونوعيته (غاز,بترول) ونسبهما والخصائص الكيميائية والفيزيائية لهذه الموارد والضغط والحرارة . كذلك يسمح بالحصول على المعلومات الضرورية لطبيعة المكمن ونفاذية المسام فيه وخصائصه الهندسية (ألإنتشار والعمق) وللطبقات الجيولوجية في المنطقة.
بناء على خلاصة التحاليل والتقويم عن وجود إحتياط تجاري مؤكد, تبدأ مرحلة الإعداد والتنفيذ لآليات التطوير والإنتاج التي تتطلب إستثمارت ضخمة في البنى التحتية للإستخراج والنقل والتخزين وإعداد السوق المحلية والعالمية للتصدير والإستهلاك ووقتاُ طويلا خاصة في الدول التي تخوض تجربتها الأولى ولا تملك بنى تحتية. وهي تختلف إختلافاً جذرياً بين حالتي النفط والغاز. ففي حالة وجود إحتياط غازي, وبعكس النفطي الذي لا يتطلب إعداده للتصدير أية معالجة مسبقة إن عبر الناقلات أو الأنابيب, يتطلب الغاز المستخرج نقله مباشرة إلى محطات المعالجة لإزالة الشوائب والملوثات ( مواد كبريتية, ثاني أوكسيد الكربون, غازات خاملة, مياه) وفصل الغازات الهيدروكربونية عن بعضها البعض. يلي ذلك إعداد هذه الغازات من خلال تحويلها إلى غازات سائلة (الميثان على -163 درجةLNG) وغازات (البروبان والبيثان,LPG..) للنقل أو التصدير بواسطة ناقلات خاصة أو إلى غازات تحت ضغط 70-90 جوي للتصدير عبر الأنابيب.

تمتد إتفاقية الإستكشاف والإنتاج بين الدولة اللبنانية وتكتل الشركات لخمس سنوات موزعة على مرحلتين (3+2) لكل منها شروطها على أن لا تتحمل الدولة أي من تكاليف الاستثمار عملاً بنظام مشاركة الإنتاج والتي تبقى على عاتق الشركات التي تبدأ استرجاع التكاليف الاستثمارية التي تكبدتها عند بدء الإنتاج, وتتراوح حصة الدولة الكاملة في الرقعتين 4 و9 بين 53 و71% . بحسب الإتفاقية وخلال مدة الإستكشاف الأولى, يجب على أصحاب الحقوق (الشركات) تنفيذ الحد الادنى من موجبات العمل ومنها تنفيذ جميع أنواع المسوحات الجيوفيزيائية الحديثة اللازمة وتقويمها وحفرما لا يقل عن بئر واحدة بعمق لا يقل عن 4400 م من قاع البحر. يلي ذلك إصدار تقرير أنشطة التقويم الذي سترفعه شركة توتال خلال شهرين (يُسمح لها بطلب التأجيل). وبناءً على المعطيات الجيولوجية المتوفرة تستطيع الشركة أن تعمد إلى حفر المزيد من الآبار في الرقعة 4 ولاحقاً في الرقعة 9 لتحديد الجدوى الإقتصاديّة, خاصةً أنه كقاعدة ٍعامّة في الصناعة البترولية، لا يتجاوز إحتمال النجاح في العثور على إكتشاف تجاري عند حفر البئر الإستكشافية الأولى نسبة %25, ولا يمكن الإعتماد على نتيجة حفر بئر واحد. وتكمن أهمية التقرير أيضاً أنه يقدم صورة واضحة عن جيولوجيا المنطقة المُستهدفة ويساعد في إعداد أعمال الحفر في البلوك 9, بالإضافة إلى تأثيره على مسار دورة التراخيص الثانية. بإنتظار ذلك يبقى الأمل موجوداً دون التسرع في إصدار النتائج أو الرهانات والتوقعات الخاطئة .

تشير خريطة الإكتشافات في شرق البحر المتوسط منذ عشرين عاماً أنها حصلت بمجملها في الجزء الجنوبي منه. ففي ساحل مصر تم إكتشاف العديد من الحقول أهمها حقل الظهرعام 2015 ويحتوي على850 مليار متر مكعب من الغاز جعل منها عقدة الوصل في صناعة الغاز الأوسطية, وكذلك في قبرص بإكتشاف حقل "أفروديت" عام 2011 الذي يقع جنوب الجزيرة ويحوي 127 مليار م3 من الغاز. أما في أسرائيل فقد تم إكتشاف 8 حقول للغاز الطبيعي منها حقل "تمار" عام 2009 ويبعد 38 كلم جنوب الحدود البحرية اللبنانية ويحوي حوالى 250 مليار م3 من الغاز, وحقل لفيتان عام 2010 ويبعد42 كلم ويحوي540 مليار م3 من الغاز الذي أتاح للإسرائيل أن تصبح دولة مصدرة للغاز, أما حقل كاريش الذي أكتشف عام 2017 فيبعد 4 كلم فقط ! ويحوي 50 مليار م3. هذه الإكتشافات تعزز الآمال بإحتمال وجود حقول غازية بكميات تجارية في البلوكات الجنوبية باعتبارها تشكل إمتداداً لجيولوجية البحر الفلسطيني بإنتظار بداية العام المقبل للتحقق منها مع إعتماد الإعتبارات العلمية في توقع النتائج.

في رحلة البحث عن ثرواته النفطية عانى لبنان وما زال من حالة عدم الإستقرار السياسي أدت إلى هدرالكثير من الوقت والفرص في مراحل مختلفة وخاصة التأخير في إصدار المراسيم التطبيقية فترة 4 سنوات وحاليا من جائحة كورونا التي فرضت تأجيل دورة التراخيص الثانية إلى حزيران المقبل في ظل أزمة نفطية لا سابق له. ربما يتسبب هذا التأخير أيضاً بضياع جزءٍ من ثروات لبنان الدفينة. إذ تسمح تكنولوجيا الحفر المُوجه والتي تشترط المعرفة الدقيقة لجيولوجيا المنطقة إنطلاقاً من منصة واحدة عائمة بتوسيع مساحة الإستخراج في الحقل لمسافات يمكن أن تصل إلى عمق البلوكات اللبنانية (12 كلم). علماً أن البئر الذي تم حفره في حقل كاريش يقع على بعد 15 كلم ولا نعرف خريطة إمتداده. ناهيك أن أسرائيل التي تمتلك الأسبقية في الوقت والقدرة على الإستخراج السريع بإمتلاكها البنية التحتية اللازمة لإستغلال المكامن المشتركة بالكامل. إذ يسمح إنخفاض الضغط في منطقة الإستخراج في عمق البئر بإنسياب وشفط الموارد من مناطق الضغط الأعلى دون التقيد طبعأ بالحدود المرسومة. لهذا تعمد الدول عادةً إلى توقيع إتفاقية UNITIZATIONلتقاسم الأكلاف والارباح على قاعدة التوزيع الجغرافي للحقل, وهذا ما لا يمكن فعله مع الكيان اللإسرائيلي. من أجل ذلك كله, يخوض لبنان معركة ديبلوماسية شرسة ترتكز على كل عناصر القوة لتثبيت وحماية حقوقه في المنطقة التي تحاول إسرائيل السطو عليها من المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان.
 




New Page 1