Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



::: "نفسية الطلاب وعلم نفس الايجاب" :::

أضيف بتاريخ: 19-05-2020

بقلم الأستاذ داود حرب
مدير ثانوية أجيال - الدوير
**********************************************************
طالعتني زميلتي في العمل التربوي بوضع اسرتها في ازمة الكورونا، او بالاحرى بوضع اولادها، المحبوسين بين جدران من الاسمنت والدرس، لكن كان لنا في الحديث لمحة ٌ من الايجابية، نعم الايجابية.
إذا ما أخذنا الوضع التربوي الراهن، بكل صعوباته وعقباته، وبنظرة متجرّدة، لا بد من دراسة هذه العملية التعليمية-التعلّمية بالنظر الى السلبيات والإيجابيات التي تواجه الأطرافها وفي مقدمتهم الطلاب.

لكن لمن تميل الكفّة؟ للسلبيات أو الإيجابيات؟
الجواب الاكثر تداولاً أو الأكثر شعبوية هو للسلبيات، لكن ان سلّمنا جدلًا بميول الكفّة نحو السلبيات، هذا لا يعني التسليم بعدم وجود نجم الإيجابية، وإن كان هذا النجم بعيدًا وغير ساطع لكنّه موجود.

العبرة هي في رؤية نجم الإيجابية!
لنقارب الموضوع من هذه الزاوية. لعملية التعليم ضفتان، يقف في الضفة الأولى وزارة التربية، المؤسسات التربوية، المدراء، المعلمون، المدربون، المنظرون التربوييون والأهل طبعًا. ويقف في الضفة الثانية جميع طلاب لبنان.
يدرك الواقفون في الضفة الأولى سلبية الموقف، لكن بلا شك يدرك وعيهم وعقلهم وجود شذرات من الإيجابية. فالمعلمون يدركون أنهم تعلّموا الكثير خلال هذه التجربة الجديد مما كانوا قاصرين أو مقصرين في ادراكه. والمؤسسات التربوية وتوابعها من مدراء ومنظرين ومدربين، يدركون أنهم في خضم هذه المعمعة اكتسبوا من المعارف والخبرات والجهوزية ما لم يدركوه في سنوات. والمنظرون التربويون يرون فيها فرصة ليصبح الطلاب متعلمين ذاتيين. والسلطات التربوية ترى في هذه الخضّة رغم عنفها نافذة للبروز الدونكشوتي على أقل التقديرات رغم نومها تحت الطاحونة لعقود.

حتّى الأهل وهم من أبرز أطراف الضفة الأولى، يدركون وجود بقع ٍ بيضاء في هذه الصورة القاتمة.

لكن على الضفة الأخرى يقبع طلاب محاطون بالسوداوية من كل جانب، طلابٌ يريدون العبور إلى ضفة الأمان، لكنهم مكبلون بحبال يعجزون عن فكّها بأنفسهم.

في المحصّلة، لا بد للضفة الأولى أن تساعد على فك حبال الطلاب الغليظة. حبال الضغط النفسي، حبال الخطر الصحّي والساعات الطويلة أمام الشاشات. حبال انتجتها موجات الترنح بين الآراء والأخبار والقرارات. وهنا لا بد من السيطرة على هذه السلبية المتراكمة والوقوف ولو للحظة عند خاطر الايجابية وبالتالي دمج الايجابية مع ادراك الطلاب للواقع.

ليصبح ببساطة "إدراك الايجابية" هو شعار المرحلة، ولننتقل من التعليم الى التربية كما هو شعار وزارتنا "التربية والتعليم".

الإدراك هنا، يعني تحسّس الايجابية والشعور بها من قبل الطالب والتوجه في ممارساته وأعماله كافة نحو هذه الايجابية. والطالب -وهنا تكمن المشكلة- لا يستطيع أن يفعل ذلك وحده، اذ لا بد من شرطين:
الأول، أن تمتد له أيادي الأطراف من الضفّة الأولى.
الثاني، ان يختبر الطالب، ومن خلال بعض الأنشطة والمواد هذه الإيجابية ويدركها.
إدراك الإيجابية قد يتم عبر اتباع العديد من الخطوات التي حثّ عليها "علم نفس الإيجاب" positive psychology الذي أطلّ على الساحة من فترة ليست ببعيدة عل يد الباحث مارتن سليغمان وفق مبدأ "حياة تستحق الحياة" بالاضافة الى التركيز على الايجاب ونقاط القوّة والابتعاد عن السلبية والنظر إلى العقبات.
هذه الأفكار المنتقاة من علوم النفس والاجتماع والتربية والبرمجة العصبية تحوّلت إلى حركة فكرية تتلاقى أفكارها نحو مواجهة ضعف النفس البشرية والاكتئاب والصدمات.
طلابنا اليوم في صدمة، وقد يصل بعضهم إلى الاكتئاب قريبًا لا سمح الله، ويعانون بعض لمحات من ضعف النفس البشرية.
لا بد اذاً من حقنةٍ من الايجابية، وقد نشتقها هنا من حركة علم نفس الايجاب وبخطواتٍ بسيطة وغير مكلفة وقد ضمنّتُ مراجع لابحاث ودراسات تثبت موثوقية الافكار.
1- زرع وممارسة الامتنانGratitude (سليغمان، 2005) أي أن يكون الامتنان للوجود أولًا، أن نعلّم أولادنا قول "الحمد لله" تحديدًا في هذه الظروف الصعبة، هذا هو الوقت المناسب للنظر دائمًا للنصف المليء من الكوب.
2- في ظل التباعد الاجتماعي القاسي، لا بد من أفراد العائلة من ممارسة التقارب الجسدي، علينا ان نعانق أولادنا وإظهار مشاعر الحب والدعم الدائم (بارازا وزاك، 2009).
3- زراعة البسمة ولو عن قصد وحتى عبر نكتٍ مصطنعة وهذا يدفع أولادنا لاختبار جوٍ من الايجابية (سكوت وبارنز، 2011) وتذكروا أن البسمة معدية.
4- تربية الحيوانات الأليفة ولو سمكة صغيرة في كوب ماء.
5- زراعة شتلة صغيرة أو وردة ولو في كوبٍ صغير قرب الشباك.
6- دعونا ندفع أولادنا المراهقين، للتطوّع لمساعدة المجتمع حتى لو كان هذا في الظروف الخطرة التي نعيشها. هذا التطوّع المحدود وضمن الضوابط سيعني لهم الكثير وإن كانوا قادرين على عملٍ تطوعي ما ويرغبون بذلك وتم منعهم ستكون النتائج عكسية.
7- الاستماع للموسيقى وبشكل منتظم أحد أهم محاور علم نفس الإيجاب.
8- التمارين الرياضية وخاصةً المشي، يعزز من المشاعر الإيجابية الذاتية.
9- القراءة لأولادنا بهدف تعزيز الروابط معهم، ولكي يدركوا ان دور الأهل لا يقتصر على التلقين وفرض التعلّم فقط، بل هو بالرقيّ ذاته الذي تجلبه القراءة لمنازلنا.
10- وأخيرًا، الايثار Altruism، وهو من الصفات الفطرية للعرب، لكننا ابعدناه عن ممارساتنا وعلينا دفع أولادنا نحو العطاء والايثار بما يملكون لوهبه لغيرهم، ففرحة العطاء تفوق فرحة الاستئثار، دعوهم يقومون بالتبرع لغيرهم ولو بالقليل.
أخيراً، لنكن على يقين ان الايجابية لن تنهار حتى في الازمات والصعاب، هي بذرةٌ موجودة، علينا ان نسقيها لتكبر حباً يدوم في أجيال المستقبل.
 




New Page 1