Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



::: سيد القصر:" العصا الرابعة" ... مرثية في رحيل القائد الجهادي الحاج ابو علي فرحات :::

أضيف بتاريخ: 14-06-2020

بقلم الشاعر والكاتب المبدع سديف حمادة


القصر من دون سيد...رحل صاحب الطلقات الأولى
على مدى أربعين سنة يبتسم الله للقصرثلاث مرات في اليوم، فيقيم سيد القصر صلاته لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر...
من فجوات ثلاث يبتسم الله للقصر ،ومع فجوة الفجر يستيقظ الفتية الآوون إليه على هدهدات أغصان الشجر:سُرُرِهم التي عليها يتقابلون ؛ وسيّد قصرهم يطوف عليهم بإبريق شايه ، يسكبه في قوارير من التنك أحسنَ غسلَها بعد أن تقاسم سبعة عشر فتى حبّاتِ الفول المدمّس ،وحمدوا الله على نعمة عشائهم الشهيّ ...
بكل تلقائية ،كانت ذاكرتي تعيد إنتاج سرده ، يتماوج فيه الحنين ، والمكابرة على الدمع ، والرجولة ، وأشواك الجبل المتكسرةُ تحت نعليه ، وما في نظرات أمة من ماء نبع الطاسة ، وما في عينَي أبيه من خَبَبِ حصان العباس ، وموسيقى طفلةٍ تغنّي عودةَ أبيها على شبّاك الغرفة المطلّة على بقية الزقاق المنفلت من سياج الشجر...

بكل تلقائية ، تداخلت المشاهد،فغبْتُ عن الطريق إلى أول لقاء كان بيننا،وقتها ذكر قصره كثيرًا...
غبتُ عن الطريق الذي أسلكه من بيروت إلى الجنوب ، من غير أن ألتفت إلى أجمل مناظر أحبها : تلك المنفرجات البحرية المتمادية على المكان بكل غنجها ، وعوّضت عن سرعة سيارتي ، ذات الدفع الرباعي ، بتسارع دقات القلب ، حتى لقد شعرت بأنني أستقِلُّ قلبي إليه ، فأضمن الوصول قبل الموعد المحدد إلى مكان ما من جبال الجنوب ...
عليّ أن ألتزم حدود السرعة القصوى المسموح بها ، فالتجاوز بالنسبة إلينا حرامٌ قبل أن يكون غرامة ...
وصلنا معًا ، إنه هو ، بكل ما خطَّه صعود الجبال الوعرة ، وليالي الغابات والكهوف في وجهه من خرائط تشبه كثيرًا تلك التي كان يبسطها تحت ناظري الشهيد السيد عباس الموسوي أثناء التخطيط لعملية نوعية على المواقع الإسرائيلة : "هنا موقع سجد،وهنا بئر كلّاب ، هذه المسافة هي خط الأفق ، سنتجنبه ما أمكن حين الانقضاض على الموقعين..."
إنه هو ، بكل ضحكته ووقاره.

إنه هو ، بكل المدى المفتوح في وجهه كمساحة هذا الأفق.
وجهه فيه شجر ، ومطر ، وأزهار قندول ، وقربة ماء.
وفي بعض زوايا وجهه شوكٌ ووجع...
انحدر بسيارته في أحد الأدوية ، وتبعته في سيارتي مع صديق أديب حذو العجَلة بالعجَلة ، حتى إذا ركنَ سيارته في ظل أحد السفوح ، فعلتُ مثله ؛ وإذا بي أمام مدخل منزل كأنه قطعة من المكان ...
استقبلنا بضحكةٍ برحابةِ بوّابة منزله وما يحيط بها من مساحة خضراء ، ليصعد بنا إلى "سطيحة"أعلى البيت، تماهت مع طبيعة المكان ؛ وحول طاولة بنية عتيقة توسّطَها تمرٌ عراقي وزبيب وجوز وإبريق شاي وأكوابه ذات القياس الكبير جلسنا...
جهّز ما تيسّر من عدة تسعفنا في رحلة السير والسلوك صعودًا إلى "مقامِ كهف":
عصَوات ذات عقد في طرفها ،تشبه عكاكيز قديمة ،أربع عصوات نفتح بها ما تشابك من أغصان شوكية ،وما أكثرَها في درب هذا الصعود العنيد...

لم أكن أدري أن المكان المقصود يقع خلف أودية العشق السبعة ،بكل ما فيها من حيرة وضياع وهدى وعتم وضوء وخيبة وأمل وصبر و ضجَر ،بكل ما فيها من تناقضات صارخة ؛ أودية تشبه نفْسي تماما ،كل درب فيها يلوم دربًا مجاورًا ،فلا يبدو من معالمها سوى اللوم ...
ومقام الكهف هذا لا يحتاج إلى أستاذ في العرفان،ولا إلى طريقة مألوفة أو غير مأولوفة .
وآيةُ مَنْ بلَغ هذا المقامَ أن يكون راسخًا في دروب الصبر والليل ،خبيرًا في فك رموز لغة الأرض والشجر ، وافتراش الزاد على الصخر ...
تقدّمنا بنفسه ، هذا البارع في فنون الاحتيال على أذرع الشوك المتربصة بالمصّعّدين ، والصخور ، والانحدارات الشديدة
أربعون سنةً كافيةٌ ليبلغ فيها أشدّه حدّ النبوة ،وما تاه يومًا واحدًا في الأرض. إن الأرض أرضُه ،والبندقية مطويّة بيمينه.
هي المرّة الوحيدة التي أتنبّه فيها إلى الأشياء كلها .

لا تؤاخذني يا رب ،هي المرة الوحيدة التى أدّعي أنني أتنبه إلى الأشياء كلها : كيف ينظر بعمق ، كيف يهدهد الأمكنة ، كيف يمسح على خدود جذوع الشجر ، كيف ترتاح بسمته على فوهة البندقية ،كيف تضعف عينُه إلى درجة دمعة ، كيف تُربِّتُ كفاه كتفَ مكان أطال النظر فيه بصمت ؛ ثم قال بصوت ما استطعتُ أن أخمّن أحزنًا كان أم فرحًا:"هنا كان يصلي صاحب السجدة الطويلة ، الشهيد عباس حمود ، كان يسجد من أذان الفجر حتى الشروق،عباس حمود كان عارفًا ،كان قائد الاستطلاع لدينا في عمليتَي سُجُد وبئر كلّا ب ، على الرغم من تسعة عشر ربيعًا ، كان عارفًا وقائدًا ،إن القيمة لا تنتظر عدد السنين،أخبرني قبل شهادته بيومين أنه لن يعود ،ضحكْت وتعجبْتُ ،سألته ما أدراه ،أجاب بأنه رأى روحه فوق جسده عقِب صلاة دامعة،وفعلًا استشهد عباس في العملية ولم يعُد ،حتى جسده لم يعد..."
نهض بما لا يشبه كل نهوضٍ سبَق ،حين كان صديقي يصلي ركعتين في "مُصَلّى عباس حمود "الراكن الى صخرة جبلية كمخبأ ، وقد غيّره ،بعضَ الشيء ، ما استَنبتَ الزمنُ في أرضه الضيّقة من نبات شوكي. وتابعنا المسير إلى القصر وهو يؤدّب الأشواك اللئيمة بعصاه ، ليوفّر على عصاي هذه المهمة ،وهي العصا الثانية ،فيما لم يلجأ صديقي كثيرًا إلى استخدام عصاه كثيرا ،وهي الثالثة ،لما يتمتع من همّة غبطتُه عليها في سيرنا إلى "مقام قصر"...

بعد جهد ، ومحاولات قبض على الأنفاس السريعة الهاربة ، بلغْنا القصر ، في مسير ساعتين جبليتين ، أنا الذي كنت منذ اللقاء الأول قبل شهرين أحلم بجولة طويلة فيه ، أتأمل نقوشه الفنية القديمة ، وما فيه من هياكل ،ونافورة مياهِ باحتِه ، تماثيله ، ما نضج من ثمار أشجاره المتنوعة ، ما خلّفه المؤرخون والشعراء والمبدعون والمفكرون في سجلّه الذهبي من مدونات مخلّدة ، أسماء من جلسوا في سدة الحكم على ذلك العرش ، ومن عبروا . كنت توّاقًا للإنصات إلى الف حكاية وحكاية فيه .
-أين قصرك يا حاج ؟
من أين ندخله ؟ سألتُ في مزيج من التلهف الاستهجان .
-إنه هنا . وأشار بضحكة عينيه الى بُعْد خطوتين :
فجوة بقُطر متر ، قاتمة ، ذات محيط صخري سلّحه الشجر بسنان شوكية كثيفة ، وحنَتْ عليه اشجار نفضية بظلالها العميقة الخضرة ...
دخلنا ثلاثتنا عبر هذه الفجوة زحفًا ، كان هو أوّلنا ، تبعته أنا متحسسًا بعصاي المكان قبل أن ألج من الفجوة ، وكذلك فعل صديقي الذي لم تفُتْنا ظرافته طوال المسير ...
يا إلهي ! لولا هذه الفجوات الثلاث في أعلى الكهف لاستحال المكان إلى ليلٍ دامس ، كهف عميق في قلب جبل اللهُ أعلم أين ينتهي ؛ في جدرانه قناديل من الصخر وفي سقفه ؛ أرضه رائحةُ أهل الكهف ،وتنقُّلُ ضوء الشمس البطيء وهي تَزاوَرُ عليه طيلة النهار .
تذكرتُ فورًا لقاءنا الأول ، حين روى لي "سيّد القصر" حكايته الأولى مع القصر : كيف جمع السلاح مع الاجتياح الاسرائيلي وخبّأه فيه ، كل ليلة كان يقصد قصره ، يتبادلان الضحك : هذا بشفتيه ، وذاك بما تسلَّل إليه من ضوء الشمس ، وكيف أوى الفتية السبعة عشر إليه ، حدّثني عن أغصان الشجر التي اتخذوا منها أسِرّة ، عن ستة أشهر قضوها فيه يخططون وينفذون العمليات ضد المحتل الإسرائيلي ، عن المأكل والمشرب ، حدثني عن الكهف الوطن ، بكل ما فيه من حميمية وحب وسخاء واحتضان وسمر .وحدثني بمرارة أيضًا عن الوطن الكهف ، بكل ما كان فيه من استسلام وانهزام واستغلال وخيانة ونهب .
حدّثني القائد الجهادي الرائع أبو علي فرحات عن كلّ شيء إلا عن "أبو علي فرحات " . وأقسم علينا أنا ،وصديقي الأديب ، أن لا نروي شيئًا إلا بعد رحيله .
من زمنِ " القصر " إلى زمن " القصير" مسيرة بعكس لغة التصغير، تشبه إلى حد كبير صعودك اليومي إلى الكهف ،وصعودك اليومي النصر...

أمس ،وأنا أحلم بموعد جديد قريب مع القائد الجهادي"أبو علي فرحات" ، رنّ هاتفي ،فتحت السماعة ،صوت متهدج لا يشبه كثيرًا صوت صديقي الأديب ...
-لماذا تغيّر صوتك يا سيّد؟؟؟!
-صار بإمكاننا يا صاحبي أن نكتب قصة سيد القصر ...
بكيت كثيرًا ،وتمنيت لو أبكي أكثر حتى تبيضّ عيناي ،لعل مسحة مما تبقّى من "جزمة" "سيد القصر" التي التقطتُ لها صورة في الكهف ،ثم أتيت بها إلى منزلي لتكون متحف ما تبقّى لي من العمر ،تعيد إليّ بصري...
أقفلت الخط مع صديقي،اتصلت بابنتي ذات الاثني عشر ربيعًا :رزان ،حبيبتي لقد رحل سيد القصر. أخذة الصدمة رزان،عرفت ذلك من صمتها على الهاتف...
بكت رزان كثيرًا،كنت أسمع نشيجها عبر الهاتف ،رزان التي أذِن لها سيد القصر أن ترافقَنا إلى مقام الكهف ، في رحلة السير والسلوك .
بكت طويلًا هذه الصغيرة،ثم التقطت نفَسًا مجهدًا وقالت :لن أفرّط بهدية سيد القصر ،سيكون لي فيها حاجة مع الزمن ،سأعلّقها في جدار غرفتي كعلامة نبوة...لن أفرّط بالعصا الرابعة

*** مرثية في رحيل فقيد الجهاد والمقاومة
القائد الجهادي الحاج حسن محمود فرحات " ابو علي"


 




New Page 1